الغزالي
181
إحياء علوم الدين
فان قلت فان أمكن هذا فيما يشتريه ، فكيف يفعل إذا حضر في ضيافة أو على مائدة ، وهو يعلم أن أصحابها يكتفون بالمعاطاة في البيع والشراء ، أو سمع منهم ذلك أو رآه ، أيجب عليه الامتناع من الأكل ؟ فأقول يجب عليه الامتناع من الشراء إذا كان ذلك الشيء الذي اشتروه مقدارا نفيسا ، ولم يكن من المحقرات . وأما الأكل فلا يجب الامتناع منه . فانى أقول أن ترددنا في جعل الفعل دلالة على نقل الملك ، فلا ينبغي أن لا نجعله دلالة على الإباحة . فان أمر الإباحة أوسع ، وأمر نقل الملك أضيق . فكل مطعوم جرى فيه بيع معاطاة ، فتسليم البائع إذن في الأكل يعلم ذلك بقرينة الحال ، كإذن الحمامي في دخول الحمام . والإذن في الإطعام لمن يريده المشتري فينزل منزلة ما لو قال أبحت لك أن تأكل هذا الطعام ، أو تطعم من أردت ، فإنه يحل له . ولو صرح وقال كل هذا الطعام ، ثم أغرم لي عوضه ، لحل الأكل ، ويلزمه الضمان بعد الأكل . هذا قياس الفقه عندي ، ولكنه بعد المعاطاة آكل ملكه ومتلف له ، فعليه الضمان وذلك في ذمته . والثمن الذي سلمه إن كان مثل قيمته ، فقد ظفر المستحق بمثل حقه ، فله أن يتملكه مهما عجز عن مطالبة من عليه . وإن كان قادرا على مطالبته ، فإنه لا يتملك ما ظفر به من ملكه ، لأنه ربما لا يرضى بتلك العين أن يصرفها إلى دينه ، فعليه المراجعة . وأما هاهنا فقد عرف رضاه بقرينة الحال عند التسليم ، فلا يبعد أن يجعل الفعل دلالة على الرضا ، بأن يستوفى دينه مما يسلم إليه فيأخذه بحقه . لكن على كل الأحوال جانب البائع أغمض ، لأن ما أخذه قد يريد المالك ليتصرف فيه ، ولا يمكنه التملك إلا إذا أتلف عين طعامه في يد المشتري ثم ربما يفتقر إلى استئناف قصد التملك ، ثم يكون قد تملك بمجرد رضا استفاده من الفعل دون القول . وأما جانب المشتري للطعام وهو لا يريد إلا الأكل فهين ، فان ذلك يباح بالإباحة المفهومة من قرينة الحال ، ولكن ربما يلزم من مشاورته أن الضيف يضمن ما أتلفه ، وانما يسقط الضمان عنه إذا تملك البائع ما أخذه من المشتري فيسقط . فيكون كالقاضي دينه والمتحمل عنه فهذا ما نراه في قاعدة المعاطاة على غموضها ، والعلم عند الله . وهذه احتمالات وظنون رددناها ، ولا يمكن بناء الفتوى إلا على هذه الظنون . وأما الورع فإنه ينبغي أن يستفتى قلبه ، ويتقى مواضع الشبه .